فخر الدين الرازي
232
القضاء والقدر
تخصيص ، ومن غير ترجيح . والاتفاقيات لا تكون في الوسع والقدرة . فحينئذ يكون التكليف به ، تكليفا بما لا يطاق . وأيضا : بتقدير أن يقول قائل : الفعل يتوقف على الداعي ، لكن عند حصول الداعي لا يجب . فإنه إذا لم يجب جاز تارة ، وأن لا يجوز أخرى . وحينئذ يكون اختصاص أحد الوقتين بالوقوع دون الوقت الثاني ، يكون اختصاصه به اتفاقيا ، لا لمرجح أصلا . وذلك يوجب الجبر - على ما قررناه - وحينئذ يلزمهم كل ما ألزموه علينا . السادس : إن الأمر بتحصيل العلم وارد . كقوله تعالى : فَاعْلَمْ : أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ « 1 » وقد دللنا على أن تحصيل العلم : ليس في الوسع . السابع : إن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعي إلى الفعل والترك ، أو حال الرجحان . فإن كان الأول لزم أن يصير مأمورا بالترجيح حال الاستواء ، وذلك تكليف بالجمع بين النقيضين . وإن كان الثاني فهو محال . لأنه إن أمر بترجيح الطرف المرجوح كان ذلك أمرا بأن يحصل المرجوح حال كونه مرجوحا راجحا . فيكون أمرا بالجمع بين النقيضين . وهو محال . ولا يقال : إنه حال الاستواء يكون مأمورا بأن يرجح بعد ذلك . لأنا نقول : هذا باطل . لأنه إما أن يكون المراد منه : أنه حال الاستواء مأمورا بأن يرجح في الزمان الثاني ، قبل مجيء الزمان الثاني ، أو عند مجيئه . والأول محال . لأن إحداث الترجيح في الزمان الثاني قبل حضور الزمان الثاني محال . وإن كان الحق هو الثاني ، فنقول : إن عند مجيء الزمان الثاني يعود التقسيم المذكور فيه . لأن عند مجيء الزمان الثاني ، إما أن يكون الطرفان على السوية ، أو لا يكون على السوية ، وحينئذ تعود المحالات المذكورة . الثامن : إن القدرة إما أن تكون قدرة على الفعل حال وجود الفعل أو حال عدمه . والأول يقتضي أن يقال : الكافر لا قدرة له على الإيمان . مع أنه مأمور بالإيمان . فيكون هذا تكليف بما لا يطاق . والثاني محال . لأن قبل الوجود يكون الشيء باقيا على عدمه الأصلي ، والعدم الأصلي لا يكون مقدورا ، فيمتنع أن تكون القدرة ، قدرة عليه . ولا يقال : القدرة حال عدم الفعل تقتضي حصول وجود ذلك الفعل في الزمان الثاني . لأنا نقول : إما أن يكون المراد أن القدرة تقتضي حصول الوجود في الزمان الثاني قبل حضور الزمان الثاني ، أو بعد حضوره . والقسمان باطلان . على ما سبق تقريره . التاسع : التوبة واجبة . وقد دللنا على أن تحصيل الندم ليس في الوسع . العاشر : إن العبد إذا صار مأمورا ، بأن يحرك إصبع نفسه ، فقد صار مأمورا بتحريك جملة الأجزاء التي منها تركب ذلك الإصبع ، في جميع تلك الأحياز ، التي منها تركبت تلك المسافة في جميع تلك الآنات ، التي منها تركب ذلك الزمان . ثم أن كمية تلك الأجزاء مجهولة ، وكمية
--> ( 1 ) سورة محمد صلى اللّه عليه وسلم الآية 19 .